الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

419

نفحات الولاية

للظلم ، فهي إشارة إلى حق الناس الذي توعد الإسلام عليه أشد العقوبات ، واللَّه لا يغفره ما لم يتنازل صاحب الحق ، وعليه ، فالتعبير بالقصاص في العبارة إشارة إلى العقاب ، لا القصاص الاصطلاحي المعروف ، ولذلك قال : ليس ذلك القصاص جرحاً بالسكين والخنجر ولا ضرباً السياط ، بل عقاب يهون كل ذلك معه : « نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ * الَّتِى تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ » « 1 » . ورد في الرواية ، عن الإمام الصادق عليه السلام : « إنّ اللَّهَ أَوحى إلى نَبِيٍّ مِنْ أَنبِيائِهِ فِي مملَكَةِ جَبّارٍ مِنَ الجَبَّابرينَ أَن ائتِ هذا الجَبَّارَ فَقُلْ لَهُ : إِنّني لَمْ أَستَعمِلَك عَلى الدِّماءِ اتّخاذِ أموالِ ، بَل استَعمَلتُك لِتَكُفَّ عَنِّي أَصواتَ المَظلُومِينَ ، فإنّي لَمْ أدعْ ظَلامَتَهُم وَإنْ كَانُوا كُفّاراً » « 2 » . وورد عن الإمام الباقر عليه السلام : « ما مِن أَحِدٍ يَظلِمُ بِمَظلَمَةٍ إلَّاأَخَذَهُ اللَّهُ بِها فِي نَفْسِهِ وَمالِهِ وَمَّا الظُّلمَ الَّذي بَينَهُ وَبَينَ اللَّه فإذا تابَ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ » « 3 » . ثم تطّرق الإمام عليه السلام إلى موضوع وحدة صفوف المسلمين ، فقال : « فَإِيَّاكُمْ وَالتَّلَوُّنَ فِي دِينِ اللَّهِ ، فَإِنَّ جَمَاعَةً فِيمَا تَكْرَهُونَ مِنَ الْحَقِّ ، خَيْرٌ مِنْ فُرْقَةٍ فِيمَا تُحِبُّونَ مِنَ الْبَاطِلِ . وَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَمْ يُعْطِ أَحَداً بِفُرْقَةٍ خَيْراً مِمَّنْ مَضَى ، وَلَا مِمَّنْ بَقِيَ » . العبارة « فَإِيَّاكُمْ وَالتَّلَوُّنَ فِي دِينِ اللَّهِ . . . » إشارة إلى أنّ كل طائفة كانت تتخذ لها صيغة تميز برنامجها من الآخرين ، سواء في المسائل العقائدية أو العملية ، وهذا التلوّن يؤدّي إلى فرقة الصفوف وضياع الطاقات وأحياناً نشوب الحروب الأهلية التي تهدد مصير المجتمع ومنافعه . وكلما كان أفراد المجتمع - كما ورد في عبارات الإمام عليه السلام المذكورة - يتحولون بالمرونة في القضايا البسيطة ، والصبر في الأمور التي لا تنسجم مع رغباتهم ، فإنّ الوحدة ستسود هذا المجتمع جانب الهدوء والأمن

--> ( 1 ) . سورة الهمزة ، الآيتان 6 و 7 ( 2 ) . أصول الكافي ، ج 2 ، ص 333 ، ح 14 ( 3 ) . المصدر السابق ، ح 15